قراءة في كتاب
أخر الأخبار

القراءة وحب الذات

" نقرأ لنحيا"

* القراءة وحب الذات

وأنا اقرأ للأديب “عباس محمود العقاد” استوقتني عبارة يقول فيها: “أحب الكتاب، لا لأنني زاهد في الحياة، ولكن لأن حياة واحدة لا تكفيني”.

هذا الكلام أثار فضولي لمعرفة طبيعة العلاقة بين حياة الإنسان وبين الكتاب والقراءة عموما.

بعبارة أخرى : أية علاقة ممكنة بين قراءة الكتب والحياة؟

الكاتب هنا يتحدث عن أكثر من حياة في حياة واحدة، في وقت نرى فيه مجموعة من الناس يولدون ويعيشون ثم يموتون… دون أن يدركوا المعنى الحقيقي لحياتهم. بل تجدهم في حالات كثيرة لا يعرفون أصلا ماذا يريدون فيها وماذا يحبون….

وفي هذا السياق، ينبغي التنبيه إلى أن القراءة كفعل وعملية معرفية إدراكية… تصبو إلى تحقيق الفهم والتعلم والإدراك والتطور…. لها بعد أعمق ومعنى أعم يتخطى قراءة الكتب….، ليشمل “قراءة مختلف مظاهر الحياة وأشكالها” والتعلم منها.

على اعتبار أن الحياة في كليتها أكبر مدرسة وأقوى معلم لنا عبر ظواهرها الطبيعية، التجارب الحياتية، العلاقات الإنسانية، بالإضافة إلى قراءة الكتب…

القراءة وحب الذات

علمونا منذ الطفولة أننا أمة القراءة، وأول شيء نزل على الرسول عليه أزكى الصلاة والسلام هو عبارة “اقرأ” في صيغة الأمر. وهذا يشير لمدى أهمية فعل القراءة في حياتنا وفي تطور مجتمعاتنا… لكن الملفت للانتباه هو النفور الكبير من طرف عدد غير قليل من الناس، خصوصا الشباب والمراهقين، من القراءة وعدم رغبتهم في بذل مجهود فكري في تصفح الكتب وفهم ماوراء سطورها. وطبعا هذا يرجع لأسباب كثيرة ( ذاتية ، تربوية ، اجتماعية واقتصادية…: غياب الحماس لرفع الوعي، عدم معرفة الكتب المناسبة والاسلوب المفيد للقراءة…)

وفي هذا المقال أردت أن نتعامل مع فعل القراءة من زاوية مغايرة نوعا ما، زاوية نابعة من عمق الذاتية والحب الحقيقي، الواعي والمتزن للذات. وهذا يدفعنا لصياغة التساؤل التالي:

ما علاقة قراءة الكتب بحب الذات ؟

بمعنى آخر، كيف يمكن لقراءة الكتب أن تكون شكلا من أشكال التعبير عن حبي لذاتي وتقديري لها، وفي نفس الوقت تعزيز هذا الحب وترسيخ للقيم المرتبطة به، مما ينعكس على مختلف جوانب الحياة؛ فكريا، وجدانيا، جسديا، اجتماعيا….؟

للإجابة على هذا السؤال، لابد أن نتعرف أولا على صفات الشخص المحب لذاته؛ نذكرها كما يلي:

✅ المحب لذاته لديه :✨ لديه وعي بذاته، وإدراك لمكامن قوته ونقط ضعفه…

✨ الحرص على الاعتناء بنفسه وتطوير ها وجلب الأفضل لها.

✨ تقدير ذاتي مرتفع.

✨ احترام لذاته وحفظ كرامته… والرفع من استحقاقه.

✨ يجسد مظاهر الحب، التقبل، الاحترام…. اتجاه ذاته واتجاه الآخرين.

✨ حريص على خلق حياة طيبة… تليق بإنسانيته وتضيف قيمة إيجابية لمجتمعه.

وفي هذا السياق نجد أنفسنا أمام سؤال آخر مفاده؛ ماذا يحصل في جسمي حين اقرأ كتابا وأتعلم شيئا جديدا؟ ماذا سأستفيد من فعل القراءة ذهنيا وجسديا واجتماعيا وماديا…؟

✅ فوائد القراءة

وتأثيراتها على المستوى الجسدي و الذهني والنفسي…

١. المستوى الجسدي / العصبي:

✨ تحفيز الدماغ: فيبني روابط بين الخلايا العصبية وينشطها. إلى جانب المساهمة في إفراز مادة ” المايلين” ؛ وهي مادة تحيط بالمحاور العصبية وتعمل كطبقة واقية تساعد على نقل الإشارات بسرعة وكفاءة.

يمكن أن تساعد هذه الخلايا على استعادة الأنسجة العصبية، عن طريق إنشاء أغلفة جديدة وتوليد مسارات عصبية حديثة إلى جانب تقوية المسارات الموجودة سابقا.

وتصبح الخلايا العصبية اكثر نشاطا وتماسكا وارتباطا…

فالدماغ كأي عضو في الجسد 
يحتاج للتمرين والتشغيل 
وإلا سيتعرض للخمول وفناء بعض خلاياه... 

٢. المستوى الذهني والقدرات العقلية:

تساعد القراءة في التحفيز الذهني وتحسين التركيز، بالإضافة لزيادة الانتباه وتقوية الذاكرة مع التقليل من مخاطر إلاصابة بالزهايمر….

كما تساهم في تمرين العقل على اكتساب مهارت التحليل المنطقي والتفكير النقدي البناء….

✨ زيادة اكتشافك لذاتك ولمهاراتك وما تحب….إلى جانب تفكيك البرمجات الفكرية السابقة، خاصة تلك التي لا تخدم حياتك… وبناء تصورات جديدة أكثر تماسكا وسلامة…..

✨ تهذيب الذوق والارتقاء به.

✨ تطوير مهارات الكتابة وإتقان القدرة على التعبير عن ذاتك وافكارك….

✨ تجعلك أكثر اتساعا وانفتاحا على الحياة وتتغير نظرتك لوجود، فتغدو نظرة يطبعها القبول والتفهم واحترام الاختلاف…

✨تحسين القدرة على الإبداع والابتكار، ” كلما قرأت أكثر كلما اكتشفت أكثر”.

✨زيادة القدرة على الاستيعاب.

✨ الانفتاح على الذات وعلى الآخرين ،بعيدا عن الانغلاق الفكري وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة والتعصب لها…. بالإضافة إلى إغناء العلاقات الاجتماعية وخلق جسور للتواصل الممتع والمفيد.

٣. المستوى النفسي :

اكتشاف الجديد والشعور بالإنجاز الناتج عن فعل القراءة يخرج المرء من الملل والروتين، ويعزز لديه مشاعر البهجة والفخر والمتعة…..

✨تعزيز الثقة بالنفس.

✨ الانغماس في تفاصيل الكتاب وأفكاره.. يساعد في نسيان “وهم الزمن” وضغوطات الحياة، ويعزز عيش اللحظة والآن.

وطالما فعل القراءة- كما سبقت الإشارة إليه- يحقق كل تلك الفوائد وأكثر، وطالما المحب لذاته كما رأينا، حريص على الاهتمام بذاته وتطويرها… حرصا منه على تشييد حياة طيبة سعيدة له وللآخرين ترتقي به وبوجوده…فإنه سيتبع كل السبل التي تحقق له ذلك بمافيها القراءة ويجعل منها أسلوب حياة وعادة يومية.

إيمانا منه أن ” القراءة رياضة للعقل وتنشيط للدماغ وتطوير للذات…”

اظهر المزيد

مريم الشيخي

أستاذة الفلسفة ،باحثة في علم النفس و مهتمة بكل ما له صلة بالإنسان في مختلف أبعاده وجوانبه.

مقالات ذات صلة

‫7 تعليقات

  1. روعة ..واتقان في التعبير الدقيق علميا وادبيا …عديدون هم من حاولوا التعرض لموضوع القراءة ولكن دون الغوص في الجوانب الايجابية من الناحية العلمية حيث يتم الاكتفاء بذكر افضال القراءة من حيث اتساع المدارك وصقل الاسلوب …هنا جانب آخر يتم الضوء عليه وهو تاثير القراءة على الدماغ وافرازه لمادة تزيد من كفاءته وتحفزه اكثر على التفكير بطريقة افضل…تحياتي استاذتي الكريمة مريم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!